محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ربع دينار وبين سارق أقلَّ من ذلك . فكذلك خالف بين عقوبته قاتلَ الصيد من المحرمين عمدًا ابتداءً ، وبين عقوبته عَوْدًا بعد بدء . فأوجب على الباديء المثلَ من النعم ، أو الكفارة بالإطعام ، أو العدل من الصيام ، وجعل ذلك عقوبة جُرْمه بقوله : " ليذوق وبال أمره " ، وجعل على العائد بعد البدء ، وزاده من عقوبته ما أخبر عبادَه أنه فاعل به من الانتقام ، تغليظًا منه عز وجل للعود بعد البدء . ولو كانت عقوباته على الأشياء متفقة ، لوجب أن لا يكون حدٌّ في شيء ، مخالفًا حدًّا في غيره ، ولا عقابٌ في الآخرة ، أغلظ من عقابٍ . وذلك خلاف ما جاء به محكم الفرقان . * * * وقد زعم بعض الزاعمين أن معنى ذلك : ومن عاد في الإسلام بعد نَهْي الله عن قتله = لقتله بالمعنى الذي كان القوم يقتلونه في جاهليتهم ، فعفا لهم عنه عند تحريم قتله عليهم ، وذلك قتله على استحلال قتله . قال : فأما إذا قتله على غير ذلك الوجه = وذلك أن يقتله على وجه الفسوق لا على وجه الاستحلال = فعليه الجزاء والكفارة كلَّما عاد . وهذا قول لا نعلم قائلا قاله من أهل التأويل . وكفي خطأ بقوله ، خروجه عن أقوال أهل العلم ، لو لم يكن على خطئه دلالة سواه ، فكيف وظاهر التنزيل ينبئ عن فساده ؟ وذلك أن الله عز وجل عمّ بقوله : " ومن عاد فينتقم الله منه " ، كلَّ عائد لقتل الصيد بالمعنى الذي تقدم النهي منه به في أوّل الآية ، ولم يخصّ به عائدًا منهم دون عائد . فمن ادَّعى في التنزيل ما ليس في ظاهره ، كُلِّف البرهانَ على دعواه من الوجه الذي يجب التسليمُ له . * * * وأما من زعم أن معنى ذلك : ومن عاد في قتله متعمدًا بعد بدء لقتل تقدم منه في حال إحرامه ، فينتقم الله منه ، كان معنى قوله : ( 1 ) " عفا الله عما سلف " ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فإن معنى قوله " وهو خطأ في قراءة المخطوطة وإفساد للسياق والمعنى جميعا .